قصة : جرح الزمن
كتبهاتركي العبدلي ، في 27 ديسمبر 2005 الساعة: 22:24 م
جرح الزمن …
لا أدري من أين أبدأ فهي قصة حزينة بلا شك من جميع الوجوه ، سواء بالنسبة لذلك الابن العاق ،أو بالنسبة لتلك الأم البائسة ،التي أنفقت جل وقتها وعمرها ومالها على ذلك الولد العاق الذي لم يثمن لها تلك المواقف العظيمة .
فإليكم الحكاية كما حكتها لي والدتي عن حال تلك الأم مع ابنها قبل أن يتزوج ذلك الزواج المشؤوم .
فكانت دائما تمتدح ابنها وترى أنه هو أمل المستقبل وأنه هو الذي سيعوضها عما فاتها من حب وحنان ، بعدما توفي زوجها وهي في متوسط العمر .
ورفضت الأزواج من أجل تربية ابنها وليد ، وكانت تقول لن أذيق ابني جبروت زوج الأم ولا ظلمه .
وهي تقول هذا الكلام من واقع تعيش فيه ، ففي هذا الزمان الذي تاهت فيه معاني الشريعة ،وترك منها الشيء الكثير، وتنازل الناس عن التمسك بآداب القرآن ، وانتشر فيه حب الذات ، وتقلصت معاني الإيثار فما عاد أحد يلتفت لحق يتيم أو أرملة أو مسكين .
أقول كانت تقول دائما ابني وليد هو أملي وسلوة فؤادي فإني كلما أراه يتجدد ذلك الأمل البعيد الذي كم حلمت به بعد وفاة أبيه أن أراه عريسا وأن أفرح بأبنائه وأشعر وقتها أني أنجزت ما كان مطلوبا مني كأم ويبقى عليه ما هو مطلوبا منه ألا وهو أن يجعلني ألقي عصى الترحال من تلك الرحلة الطويلة التي قطعتها بمفردي وأن يطوي لي سنين البؤس ـ التي عانيتها من أجله ـ ببره وعطفه.
ومع ذلك كان ذلك الولد بعدما كبر كثير العقوق لها والصراخ عليها كثير التأفف من أوامرها وطلباتها وكانت تعتذر الأم عن ما يبدر منه بأنه ما زال صغير السن ولا بد وأنه سينضج ويعتدل أمره لا سيما إذا بعد الزواج .
وكانت كلما فاتحته بأمر الزواج وأنه قد حان أن يكون عريسا وأنها تخشى أن يأتي القدر المجهول قبل أن تقر عينها به ولكنه ـ مع إصرار الأم ـ كان يرفض رفضا باتا .
وتمضي السنين وتصاب الأم بمرض عضال لا تستطيع الأم أن تمشي منه وعجز الأطباء عن علاجها ، وصارت الأم حبيسة الدار لا تستطيع الخروج إلا بمشقة كبيرة .
وكانت والدتي تقول لي لقد افتقدناها يا بني في ليالي رمضان ، حيث أنها كانت قلّ ما تتأخر عن صلاة التراويح ، وكانت كثيرة البكاء من خشية الله ، مما اضطرنا أن نزورها بين فترة وأخرى لنؤنسها في هذه الليالي المباركة .
وعاودت الأم طلبها لأبنها من جديد ، لعلها تدرك منه إجابة تشفي غليلها ، وتمسح آلام السنين العجاف التي مرت عليها ، وبعد إلحاح شديد من الأم أجابها أبنها على مضض ، فطارت الأم من الفرحة وطفقت تبحث عن العروس المناسبة لأبنها وتسأل الغادي والرائح وكانت كلما عرضت عليه فتاة تستحسنها له استحدث من الأعذار عن قبولها لتأخير أمر الزواج ، فهذه قصيرة وهذه ليست جميلة وهذه …الخ وهلم جرا على هذا المنوال .
وبعد جهد جهيد وافق على فتاة لا تباعده بالفكر والسلوك ، وصدق القائل أن الطيور على أشباهها تقع ، وأقيم العرس وحضر الناس من الأقارب والأصدقاء .
وتقول والدتي أنها لا تنسى فرحة أمه في تلك الحفلة وهي تلقي بالترحيب على الحاضرين ، وكأن هذا الحفل هو الفاصل الأخير في قصة امتدت أكثر من عشرين سنة ، ولم تدري أن هذا العرس ما هو إلا فاصل جديد من فصول حياتها البائسة .
تزوج الولد ودخل على زوجته وكان يسكن في شقة في نفس العمارة التي تقطنها الأم ، غير أن مدخلها منعزل عن بيت الأم وفي صبيحة اليوم الثاني أخذت الأم تنتظر مرور ابنها عليها ، لا ليشكرها على ما قدمت بل ليشاركها فرحتها لا سيما وأنها مقعدة لا تستطيع الذهاب إليه ، ولكن شمس ذلك اليوم أفلت من غير أن تراه .
وأخذت تلتمس له الأعذار بأنه حديث الزواج وأنه … وأنه … ولكن يا للأسف تبعه اليوم التالي ثم التالي ثم …إلى أن مضى اسبوعا ولم تراه .
ونقلت الأم إلى المستشفى بعد أن أرتفع عليها الضغط والسكري مما أصابها من غم وهم وظنت أن أول السائلين عنها ابنها ولكنه لم يطرق باب غرفتها عليها البتة فاعترى الخوف والرعب قلب الأم على ولدها ، وكلما سألت عنه قالوا لها أن ابنك بخير وسيزورك عن قريب.
لكن الأم لم تصدق ذلك وإلا أين هو منذ أن تزوج ؟ ، وأخذت تساورها الشكوك أن ابنها ألم به مكروه ، وأن أرحامها لا يريدون إخبارها من أجل صحتها .
وما إن خرجت من المستشفى حتى بعثت بخادمتها إلى بيت ابنها تسأل عنه وتبلغه أن أمه له بالأشواق ، ولكن الخادمة لم ترجع بإجابة تشفي الغليل ، ومضت ساعات تلك الليلة وكأنها سنين طوال كئيبة ، وما إن أشرقت شمس اليوم التالي حتى أمرت الأم خادمتها وأخرى كانت عندها في ذلك الوقت أن يساعدوها في الذهاب إلى شقة ابنها .
فاستندت عليهما وأخذت تجر قدميها وكأنها ترسم قصتها بتلك الخطوط المجترة على الأرض ، ولكن يا للأسف لا يقرأها إلا من عرف معنى التضحية والإيثار ، وقدر تلك السنين المريرة التي ذاقتها هذه الأم …وما هي إلا دقائق حتى طرقت الباب ، والذي كأنه باب مستقبلها و نتيجة حياتها التي استثمرتها، فإما أن تنجح وتتسلم الجائزة بتفوق أو أن يكون الرسوب حليفها …
ويقطع خيال الأم صوت الخطوات التي تصدر من خلف الباب ، وما إن فتح الباب حتى بادرت الأم بالسؤال عن ابنها ؟وماذا حل به ؟ولِم لَم يزورها؟ وهل حل به مكروه؟
فأجابتها الزوجة باسلوب سمج وبطريقة غير مبالية ، بأن ابنها نائم ولم يمسه من مكروهات الحياة شيء ، وأنها تستطيع أن تأتي في وقت لاحق وتراه…!
وما إن أتمت الزوجة كلماتها حتى اغرورقت عينا الأم من الحزن ، وأخذت تتقافز أمامها تلك الصور البالية القديمة يوم إن كان رضيعا ثم طفلا حتى غدا شابا يافعا تعقد عليه الأماني والأحــلام ثم صار رجلا مفتول العضلات …ثم …تكون النهايـــة … !! وما إن سقطت الدمعة من عينيها حتى جلست على الأرض لكي تفك أسر يديها ممن تنكأ عليه ورفعت كفيها إلي السماء قائلة بصوت تخنقه عبرات السنين اللهم إن كان لي أنا الأم البائسة دعوة مستجابة اللهم فستجب … اللهم لا تمتعه بنعمة الولد ما بقي واذقه من ذلك حسرات يشقى شقي الوحوش في البرية لجنيه ولا يجده …اللهم استجب …اللهم استجب … ، وأقفلت الزوجة الباب ورجعت الأم إلى بيتها تجر أذيال الخيبة والخسارة الفادحة التي منيت بها في عمرها ، وكان الثمن حقيقة باهظا فإن خسارة الدينار والدرهم تعوض لكن الأيام والسنين ومتعتها …كيف تعوض ؟
وانتشر خبر الدعوة التي دعتها الأم في الحي فسارعت والدتي مع بعض الصالحات إلى الأم لعلها تؤوب وتستغفر وحاولوا بها محاولات كثيرة لكنها لم تزد على ( حسبي الله ونعم الوكيل ، الله يستجيب ) وبعد فترة وجيزة توفيت الأم العجوز مما أصابها من القهر والضنك وحملت الأم إلي المقبرة وكان ابنها في هذه المرة بارا بها حيث جاء ليدفنها وليحثوا عليها التراب وليدفن بر أمه وتضحياتها من أجله .
ليدفن آهاتها وتوجعاتها ليدفن معاني الرحمة والرأفة التي قدمتها له عبر سنين العذاب وكأنه يريد أن يطمطم فضيحته في أمه وكأن صوت أمه يصارع تلك الرمال ليصيح به وبكل ابن عاق قائلا ( وعند الله تلتقي الخصوم ) وياله من بائس من كان أمه خصمه يوم القيامة .
أيها القارئ الكريم وأنا أكتب هذه القصة غير متقيد بما وضع أساتذة الأدب من قيود وشروط في كتابتها و أعطيت لقلمي الحرية وأرخيت له العنان .
أقول وأنا أكتب هذه الكلمات قد مضى على موت جارتنا سبع سنوات ولتَّو ابنها راجع من سفرته الثالثة من ألمانيا لعله يجد الولد لكنه فشل متذرعا أن أطباءها غير خبيرين بهذا الاختصاص وإنه يعزم أن يشد الرحال إلى أمريكا لعله …لعله… لكن هل يجد الولد ؟ لا أعتقد لأنه في ظني أنه قد أستجيبت الدعوة ! . انتهى
كتبها
تركي العبدلي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الصفحة الأدبية | السمات:الصفحة الأدبية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يناير 1st, 2006 at 1 يناير 2006 9:22 م
صدقني يا أخ تركي أن العقوق إنتشر نسأل الله العافية والستر وأشكرك على القصة
يناير 3rd, 2006 at 3 يناير 2006 2:48 م
قصة رائعة واقعية ترسم بريشة أديب نهاية تضحية !
شكرا استمتعت جدا بقراءتها
نوفمبر 11th, 2006 at 11 نوفمبر 2006 8:22 م
ماشاءالله..بارك الله فيكم أيها الكاتب المبدع تركي العبدلي..قصة مؤثرة و الأكثر تأثيرا واقعيتها..و الأبلغ أنها من غير تكلف ..جزاكم الله خيرا..
أكتوبر 9th, 2009 at 9 أكتوبر 2009 5:38 ص
ماشاءالله أديبنا المبدع.. قصة عقوق الوالدين ممكن ان تكون معروفه عند الاغلبية ولكن باسلوبك المشوق وبسحر كلماتك وصدق مشاعرك جعلتنا نستمتع بقرائتها لنتعرف على نهايتها المتوقع حدوثها.. والعياذ بالله من عقوق الوالدين عسى الله أن يجعلنا من البارين بوالديهم
فلاتحرمنا أديبنا المبدع من قصصك المؤثرة والراقية
أكتوبر 9th, 2009 at 9 أكتوبر 2009 4:55 م
اللهم آمين …
لا شك أن قصص العقوق محسومة قبل حكايتها لكن ينبغي علينا التواصي بها وتناقلها وتعليمها للأجيال جيل بعد جيل حتى تكون منطقة تهول من ينظر إليها وترعب من يقترب منها حتى يخشاها كل من سولت له نفسه أن يقتحمها … عفانا الله واياكم …
وشكرا على مسطرتيه آنفا أختي الفاضلة